كالْيَانارامان: الملياردير الذي صاغ إمبراطورية من الذهب في قلب الهند

حوّل تي. إس. كالْيَانارامان شركته إلى منجم من معدن الذهبٍ، حقيقة لا مجازًا، إذ يواصل مؤسس «كاليان جيويلرز إنديا» توسيع إمبراطوريته في وقتٍ تتجه فيه أسعار الذهب نحو مستويات قياسية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى تلبية احتياجات زبائن أكثر حرصًا على القيمة في خضم ارتفاع الأسعار.

تضجّ صالة العرض الرئيسية للشركة في مدينة تشيناي بالحياة، تمتدّ على مساحة 1,860 مترًا مربعًا وتستقبل زبائن متنوعين، من الأزواج المقيمين إلى الهنود المغتربين العائدين من الخارج. ويتنقّل موظفو المبيعات بخبرةٍ بين أروقة المعروضات، يعرضون على الزبائن أطقمًا متلألئة من العقود والأساور والخواتم. تبدأ الأسعار من أقل من 200 دولار لخواتم ذهبية بسيطة، وتصل إلى 120 ألف دولار للأطقم الفاخرة المخصّصة للأعراس والمزيّنة بالألماس والياقوت والزمرد.

وفي بلدٍ يملك فيه الأفراد مجتمعين نحو 34,600 طن من الذهب تُقدّر قيمتها بنحو 3.8 تريليونات دولار وفقًا لتقديرات «مورغان ستانلي»، تترسخ مكانة «كاليان» كثاني أكبر شركة مجوهرات مُدرجة في الهند من حيث المبيعات.

تضاعفَت إيرادات الشركة خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى 250.5 مليار روبية (ما يعادل 2.9 مليار دولار)، فيما قفز صافي أرباحها بعد الضريبة خمس مرات ليبلغ 7.1 مليارات روبية. وجاء هذا الزخم قبل أن تدفع الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الواردات أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 4 آلاف دولار للأونصة في أكتوبر/تشرين الأول، ما رفع تكاليف المجوهرات وفرض على تجّار الذهب تحدّي الحفاظ على شهية الشراء لدى المستهلكين.

بهذا، يجد كالْيَانارامان نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: كيف يواصل التوسّع الطموح في الداخل والخارج، من دون أن يفقد زبائنه الذين باتوا أكثر وعيًا بتقلبات السوق؟

يواصل كالْيَانارامان، البالغ من العمر 78 عامًا، مسيرته بثباتٍ، حيث يؤكد قائلًا: «لا يوجد سقف لطموحنا»، في أثناء ما يدير أعماله من مدينة تريسور في ولاية كيرالا، المعروفة بمعابدها وصائغي الذهب المهرة. ويشرف مع ابنيه راجيش وراميش اللذين يشغلان منصبَي مديرين تنفيذيين على شبكة تضم نحو 400 متجر في مختلف أنحاء الهند، إضافة إلى 40 متجرًا آخر في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. ومع ارتفاع أسعار الذهب، تركز «كاليان» على صياغة تصاميم أخف وزنًا وأكثر ملاءمة من حيث السعر، اعتمادًا على فريق تصميم داخلي في مومباي وشبكة تضم 900 مصنع متعاقد في أنحاء البلاد.

يسهم هذا التحوّل في تخفيف أثر ارتفاع الأسعار، بحسب شركة «آي سي آي سي آي سيكيوريتيس»، التي تتوقع نمو إيرادات «كاليان» وأرباحها بنسبة 28% و38% سنويًا خلال العامين المقبلين. وتشكل مجوهرات الأعراس نحو 60% من المبيعات، وغالبًا ما تحمل تصاميمها رموزًا دينية مستوحاة من آلهة هندوسية مثل لاكشمي، إلهة الثروة، وغانيشا، إله الحكمة والبدايات. ويحتفظ الذهب بمكانته المركزية في الثقافة الهندية، إذ يرتبط بالمناسبات الاجتماعية والدينية الكبرى مثل حفلات الزواج ومهرجانات الديوالي، ويُعتبر قانونيًا ملكية خاصة للمرأة لا يحق لأحد المطالبة بها.

وتتوقع مؤسسة «نومورا» أن يتوسّع سوق المجوهرات الهندي من 90 مليار دولار إلى 150 مليار دولار خلال السنوات الثماني المقبلة، مدفوعًا بزيادة الأسر ذات الدخل المزدوج ونمو فئة الشباب الذين يُتوقع أن يبلغ عددهم 390 مليون نسمة بحلول عام 2030. وفي هذا السياق، تخطط «كاليان» لافتتاح 90 متجرًا جديدًا خلال السنة المالية الحالية، مع الحفاظ على معدلات نمو قوية في المبيعات من المتاجر القائمة، والتي بلغت 16% في الربع الأخير.

ويعتمد مسار التوسع أيضًا على نموذج الامتياز التجاري الذي أصبح يشكل أكثر من نصف متاجر الشركة. ويسهم أصحاب الامتيازات بنحو 43% من الإيرادات حتى يونيو/حزيران الماضي، فيما تحتفظ الشركة بقائمة انتظار طويلة لشركاء محتملين. وتسعى «كاليان» من خلال هذا النموذج إلى تحقيق توازن بين التوسع والربحية والحفاظ على طابعها التقليدي الذي منحها بريقها المستمر.

ويعد التوسع الخارجي أحد أعمدة النمو الرئيسة للشركة. وتشغّل «كاليان» 38 متجرًا في الإمارات والكويت وقطر وسلطنة عمان، إلى جانب متجرين في الولايات المتحدة، شكّل مجموعها نحو 12% من الإيرادات في الربع الأخير. وإلى جانب متجريها في إيزيلين بولاية نيوجيرسي وشيكاغو، تستعد الشركة لافتتاح متجرين جديدين في السوق الأميركية هذا العام، مستهدفةً الجالية الهندية الثرية هناك. كما تتجه نحو أوروبا، حيث دشّنت أول فروعها في المملكة المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

تعزّز «كاليان» حضورها في السوق الهندية من خلال شحذ جهودها التسويقية، إذ أنفقت نحو 13 مليار روبية على الإعلانات خلال السنوات الأربع الماضية. وتستعين الشركة بمجموعة من أبرز الوجوه الفنية في حملاتها، من نجمات بوليوود كاترينا كيف وجانفي كابور إلى رموز السينما الإقليمية ناغارجونا أكّينيني وبربهو غانيسان، ما يمنح علامتها جاذبية واسعة عبر مختلف شرائح الجمهور.

لا يمكن إغفال صعوبة التسويق في سوق مجوهرات شديدة التنافس، تزدحم بالمتاجر العائلية التقليدية وباللاعبين الوطنيين الكبار مثل «تانيشْك» التابعة لمجموعة «تايتان»، أكبر شركة مجوهرات مدرجة في الهند. وتواجه «كاليان» منافسة قوية من سلاسل إقليمية مثل «بي إن جادغيل جيويلرز» في بونه، و«سينكو غولد» في كولكاتا، و«جي آر تي جيويلرز» في تشيناي، إلى جانب منافسين ذوي حضور دولي من كيرالا مثل «جوي ألوكّاس» و«مالابار غولد آند دايموندز» اللتين تمتدان عبر الهند والشرق الأوسط.

وتُشكّل ذراع الشركة للمبيعات الرقمية والمتاجر الفعلية «كانديري» أحد محركات نموها الرئيسة. استحوذت «كاليان» أولًا على حصة 85% من «كانديري» في عام 2017 مقابل 400 مليون روبية، ثم أكملت عملية الشراء في عام 2024 باستحواذها على الحصة المتبقية البالغة 15% مقابل 420 مليون روبية. بدأت «كانديري» كمنصة إلكترونية للمجوهرات خفيفة الوزن، ثم افتتحت أول متجر فعلي لها في مومباي عام 2023، قبل أن تتوسع إلى 96 متجرًا في أنحاء الهند مع خطط لتجاوز 140 متجرًا بحلول العام المقبل. وارتفعت مبيعات «كانديري» تحت مظلة «كاليان» تسعة أضعاف لتصل إلى 1.6 مليار روبية في السنة المالية 2025، مع توقعات بتحقيق الأرباح بنهاية العام المالي الجاري.

من هو كالْيَانارامان؟

يستمد كالْيَانارامان رؤيته من إرثٍ طويل في تجارة التجزئة. فبصفته أكبر أشقائه السبعة، نشأ في مدينة تريسور ودرس التجارة في كلية «سري كيرالا فارما»، قبل أن ينضم في الثانية عشرة من عمره إلى متجر والده للنسيج. وهناك تعلّم أول دروسه في عالم الأعمال: أن الزبون هو محور كل شيء. ويقول إن تلك الخبرة المبكرة، التي كانت تُتوج كل مساء بمكافأة بسيطة من طبق «ماسالا دوسا» بعد إغلاق المتجر، شكّلت الأساس الذي بنى عليه لاحقًا إمبراطوريته الذهبية.

عام 1993، أسس كالْيَانارامان شركته «كاليان جيويلرز» بعد أن اكتسب خبرة من إدارة متجره الخاص للأقمشة لسنوات، حيث استثمر نحو 7.5 مليون روبية من مدخراته وأموالٍ مقترضة. ومنذ البداية، اختار أن يبتعد عن طابع المتاجر الصغيرة والمكتظة السائد آنذاك، ففتح متجرًا بمساحة 370 مترًا مربعًا يركّز على التنوع والشفافية. كان متجره يقدّم شهادة نقاء الذهب الصادرة عن «مكتب المعايير الهندي»، بل كان المتجر مزودًا بأجهزة قياس العيار للتأكد من الجودة، في خطوة أرست أسس الثقة التي قامت عليها إمبراطورية «كاليان».

أثمر تركيز كالْيَانارامان على الجودة وثقة العملاء سريعًا، إذ اندفع بقوة الطلب إلى التوسّع من خلال الحصول على الديون لافتتاح متجرين إضافيين في كيرالا. وبحلول عام 2004، بدأت «كاليان جيويلرز» في توسعها في جنوب الهند.

واصل كالْيَانارامان مسيرته نحو التوسّع الوطني في عام 2012، فافتتح أول فروعه في أحمد أباد، ثم في مومباي، قبل أن يتوج تلك السنة بدخول دبي كأول وجهة خارجية تستهدف الجالية الهندية المتنامية هناك. وفي خطوة تسويقية جريئة، أصبح أسطورة بوليوود أميتاب باتشان سفيرًا للعلامة، لتبدأ موجة من الإعلانات التلفزيونية والمطبوعة ولوحات الشوارع التي جعلت من «كاليان» اسمًا مألوفًا في كل بيت.

جذب نجاح العلامة انتباه المصرفيين والمستثمرين في «تريسور»، حيث تتخذ العائلة مقرها. وبعد فترة من التريّث، عقدت الشركة عام 2014 شراكة مع صندوق «ووربرغ بينكوس»، الذي استثمر 12 مليار روبية (نحو 200 مليون دولار) مقابل حصة 30%، تلتها خمسة مليارات روبية إضافية بعد ثلاث سنوات. ويرى الصندوق في قطاع المجوهرات محورًا رئيسيًا في قصة الاستهلاك الهندي، ويجد في سمعة «كاليان» ونهجها العائلي ميزة نادرة. وهو ما يُنسب إليه الفضل في تعزيز الحوكمة وتحسين الشفافية المالية وتهيئة الشركة للإدراج العام. يقول راميش: “ما أنجزناه مع ووربرغ في ست أو سبع سنوات كان سيستغرق منّا خمسة عشر عامًا لوحدنا”.

وأدرجت «كاليان جيويلرز» أسهمها في بورصتَي بومباي ونيودلهي عام 2021 في طرحٍ أولي خجول تزامن مع جائحة كورونا، إذ افتتحت الأسهم تداولها بانخفاضٍ قدره 15% عن سعر الطرح. غير أن السهم ارتفع لاحقًا بأكثر من ستة أضعاف، رغم تراجعه عن ذروته البالغة 795 روبية في يناير/كانون الثاني، بعد انتشار شائعات كاذبة عبر الإنترنت تُفيد بتلقي شركة صناديق استثمارية رشوة لزيادة حصتها، وهي مزاعم نفاهما الطرفان تمامًا. في حين كان صندوق «ووربرغ» قد خرج جزئيًا من استثماره خلال الطرح، ثم باع حصته المتبقية البالغة 26% في عام 2024، فيما أشارت تقارير آنذاك إلى نيّته العودة للاستثمار عبر شراء 10% من «كانديري» مقابل 8 مليارات روبية.

تظل مقاليد الأمور في يد كالْيَانارامان، بينما يتولى ابنه راجِش إدارة المخزون والتقنيات والتصميم، ويشرف راميش على التسويق والعمليات. ويحافظ الثلاثة على تركيزهم المحوري على رضا العملاء، إذ تدفعهم الملاحظات على المجوهرات – مثل ارتخاء براغي الأقراط أو تشابك العقود بالأقمشة – إلى تحسين التصميمات. وتُشيد عميلات مثل ساسيكالا سريدْهار (54 عامًا) بخدمة «كاليان» اليقِظة التي تدفعهن للعودة مرارًا في كل مناسبة كبيرة.

يرى كالْيَانارامان أن التواصل المباشر مع العملاء سيظل جوهر العمل. فهو يتحدث يوميًا إلى عملاء يتراوحون بين خمسة وعشرة أشخاص، بل ويزور شخصيًا متاجر الشركة في مختلف أنحاء الهند. ويقول بابتسامة: “تشجعني الملاحظات السلبية، لأنها توجهني إلى حلّ المشكلة”.

فوربس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *