
عندما خلع الجنرال جوزاف عون بدلته العسكرية واتجه إلى بعبدا رئيساً في يناير (كانون الثاني) الماضي، استبشر كثر بأن لبنان يسير في أولى خطواته نحو التعافي ونزع العباءة الإيرانية بعد فراغ رئاسي دام عامين، وتزامن ذلك مع تضاؤل شبكة النفوذ الإقليمي لإيران، في أعقاب هروب بشار الأسد إلى روسيا ومقتل حسن نصرالله في مخبأه في الضاحية، مما بث الأمل بانفراجة في المشهد اللبناني.
لكن بعد 10 أشهر، لا يزال لبنان عالقاً في دوامة “حزب الله”، وعلى رغم انشغال إيران بالمصائب التي حلت ببرنامجها النووي وصورتها بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية، لا تزال طهران تمارس الضغط للإبقاء على نفوذها في لبنان، ومن جانب آخر، تواصل إسرائيل ضرباتها ضد أهداف “حزب الله”، ويلوح في الأفق احتمال دخولها في حرب شاملة مع لبنان لمنع الحزب من إعادة تنظيم صفوفه.
في حلقة جديدة من “حوارات أميركية”، تحدثت الباحثة اللبنانية – الأميركية حنين غدار عن احتمالات الحرب الشاملة التي لا تستبعد اندلاعها بعد نهاية العام، مستندة إلى عاملين، أولهما أن غزة لم تعد تشكل عبئاً على الجيش الإسرائيلي بعد وقف إطلاق النار، بالتالي فإن لبنان بات الأولوية من جديد، والثاني أن التقارير الاستخباراتية تفيد بأن “حزب الله” يعيد بناء ترسانته، مما لن تقبل به إسرائيل.
تحذر غدار التي تعمل في “معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى” من أن المرحلة الثانية من التصعيد الإسرائيلي في لبنان ستحدث بعد نهاية العام عبر قصف المناطق المدنية، مما يمكن النظر إليه على أنه بداية الحرب الفعلية، وفي تلك المرحلة قد تقصف الضاحية الجنوبية وتخلى بعض المناطق تمهيداً لقصف منشآت تابعة لـ”حزب الله”، وربما نشهد توغلات إضافية مثل التوغل الأخير في بلدة بليدا.
في الوقت نفسه، تستبعد اندلاع حرب شاملة قبل نهاية العام، لتزامن ذلك مع زيارة البابا المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري وفترة الأعياد، كما أن خطة القوات المسلحة اللبنانية وضعت موعداً نهائياً لنزع سلاح “حزب الله” في جنوب نهر الليطاني قبل نهاية العام، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية لنزع السلاح في شمال الليطاني، بالتالي، فإن الولايات المتحدة تريد منح الجيش اللبناني وقتاً لإنجاز هذه الخطة من دون تأخير. وبالتوازي، من المتوقع أن يستمر التصعيد الإسرائيلي عبر استهداف مخازن الأسلحة ومصانع الطائرات المسيّرة ومواقع التدريب التابعة لـ”حزب الله”.
وكتبت غدار أخيراً مقالة بعنوان “خريطة طريق للسلام اللبناني- الإسرائيلي”، لكن المؤشرات الأخيرة تدل على صعوبة تحقيق هذا الهدف، بخاصة بعد توجيه الرئيس اللبناني الجيش قبل أسبوع بالتصدي لأي توغل إسرائيلي، وانتقاده مواصلة إسرائيل للهجمات بينما تدعو إلى التفاوض. وتعلق على ذلك بقولها “أميركا وإسرائيل جاهزتان لإبرام اتفاق أما لبنان فليس جاهزاً بعد، لكن مع الضغط المتزايد سواء عبر التصعيد الإسرائيلي أو الأميركي، سيجد لبنان نفسه مضطراً إلى الدخول في مفاوضات مباشرة. وأرى أن التصعيد الإسرائيلي هذه المرة لن يكون بلا هدف”.
تركز إسرائيل في تصعيدها الأخير على نزع سلاح “حزب الله”، وفق غدار، لكنها تريد أيضاً الضغط من خلاله للتوصل إلى اتفاق جديد أفضل من اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي فشل بسبب افتقاره إلى جدول زمني واضح، مما سمح للبنان بالمماطلة ولـ”حزب الله” بإعادة تنظيم صفوفه. ورداً على سؤال عن ترسانة الحزب الباقية، أجابت “لا يوجد إحصاء موثق للمخزون العسكري، فالجهات الوحيدة ذات الدراية هي ’حزب الله‘ والجيش الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات الإسرائيلية، لكن بعد الحرب تراجعت قدرات الحزب وتم القضاء على الصواريخ قصيرة المدى المنتشرة في جنوب الليطاني، وفق استخبارات الجيش الإسرائيلي، وبقي اليوم نوعان من السلاح، الصواريخ متوسطة المدى في شمال الليطاني، ونحو 20 في المئة من الصواريخ الاستراتيجية”.
وتقوم استراتيجية “حزب الله” لإعادة بناء القوة على منهجين، الأول يركز على تكثيف صناعة الطائرات المسيّرة، وهي الوسيلة الأرخص والأكثر ملاءمة، والأقل لفتاً للأنظار في عملية إعادة التسلح التي يعد التهريب عاملاً مهماً فيها، إذ لا يزال “حزب الله” يحصل على السلاح بالتهريب من خلال سوريا، وعلى المسيّرات تحديداً عبر شركات وهمية، وعلى رغم أن دمشق استطاعت تعطيل وصول بعض شحنات السلاح وتبذل جهوداً كبيرة لوقف التهريب، فإن الأسلحة لا تزال تصلهم وقد أدى تعثر ترسيم الحدود إلى تعقيد المهمة. أما المنهج الثاني، فيقوم على إعادة بناء الهيكل القيادي، إذ تعمل طهران مع ما بقي من قادة الحزب ميدانياً لإعادة تشكيل القيادة.
وفتحت غدار النار على رئيس البرلمان نبيه بري، قائلة إن “نبيه بري هو العقبة الأولى أمام مساعي نزع سلاح ’حزب الله‘. ما دام نبيه بري في السلطة، فلن يكون هناك أي تغيير”، وأضافت أن “الوريث السياسي والمالي لحسن نصرالله هو نبيه بري وليس نعيم قاسم. ولذلك يجب استهدافه هو وحاشيته بالعقوبات فوراً”.
وتابعت أن “نبيه بري هو الزعيم الحالي لـ’حزب الله‘ ويستمتع بذلك، ولن يتخلى عن القيادة بسهولة”، موضحة أن نعيم قاسم وباقي القيادات العسكرية لم يخلفوا حسن نصرالله إلا في الجانب العملياتي. وأكدت غدار وجود مساعٍ ونقاشات جارية في واشنطن لفرض عقوبات غير مباشرة على نبيه بري، تستهدف حاشيته بهدف دفعه إلى الانفصال عن “حزب الله”، وقالت “سنرى هل ينفصل عن ’حزب الله‘ أو لا، وإن لم يفعل فسيكون هو نفسه هدفاً مباشراً للعقوبات”.
وشددت غدار على مصيرية الانتخابات البرلمانية المقبلة، مشيرة إلى أن “بري و’حزب الله‘ حريصان على تأمين المقاعد الشيعية الـ27 لأنهما حينها سيتمكنان من اختيار رئيس مجلس النواب وإن لم يكن بري نفسه، فسيختاران شخصاً موالياً لهما، وسيختار نبيه بري المرشح بنفسه”. ويتطلب إضعاف نفوذ “حزب الله” في البرلمان المقبل إدخال نائب شيعي معارض يملك أصواتاً كافية ليكون المرشح لرئاسة المجلس، ولذلك يحرص “حزب الله” على منع أي اختراق لهذه الكتلة المكونة من 27 مقعداً لأن أي اختراق قد يؤدي إلى تغيير معادلة رئاسة المجلس.
ولا تبدي غدار تفاؤلها على المدى القصير، مشيرة إلى أن تردد القيادات السياسية في مواجهة “حزب الله” وتفكيك بنيته السياسية والعسكرية سيكون ثمنه باهظاً، وقد يؤدي إلى حرب مع إسرائيل، وقالت “كنت أتمنى أن يقوم الجيش بهذه المهمة بنفسه لأنه في هذه الحال لن تكون العواقب كبيرة. لكن للأسف، الحرب الإسرائيلية على لبنان ستكون مكلفة جداً. لذلك لا أشعر بتفاؤل كبير على المدى القصير، لكنني على المدى الطويل متفائلة بعودة لبنان كبلد للسلام والتجارة والاستثمار والثقافة، أعتقد بأننا سنتخلص من الإرهاب في لبنان”.
منذ تولي الرئيس دونالد ترمب منصبه، اتسمت الجهود الدبلوماسية الأميركية في بيروت بالتقلب، واحتدمت المنافسة والضغائن بين المسؤولين الأميركيين، فقبل أشهر عينت مورغان أورتاغوس نائبة للمبعوث الأميركي توم براك أثناء إشرافه على الملف اللبناني، لكن سرعان ما استخدم براك نفوذه للاستحواذ على هذا الملف عبر إقصاء أورتاغوس وتحويلها إلى العمل ضمن البعثة الأميركية في نيويورك، وفق غدار.
وعن أسباب المنافسة، أجابت غدار “بصراحة، الملف اللبناني جذاب في واشنطن، فعندما تذهب إلى لبنان، تستقبل بالاحتفاء والتدليل، لبنان ملف مثير للاهتمام ومتعدد الجوانب ويتيح التنقل بين إسرائيل ولبنان، بعكس الملف السوري الذي يعدّ مملاً مقارنة بلبنان. رسمياً، براك يشغل منصب المبعوث إلى سوريا، لكن بحكم قربها من لبنان، ظن براك أنه يستطيع التدخل في الملف اللبناني، وقرر ملء هذا الفراغ، مستفيداً من صداقته مع الرئيس”.
وتابعت أنه “بعدما غادرت أورتاغوس إلى نيويورك، طُلبت منها العودة لملف لبنان، فعادت بالتزامن مع بقاء براك، ومن الواضح أن أورتاغوس باتت المسؤولة عن الملف اللبناني، فالأسبوع الماضي ألغى براك خطته لزيارة لبنان مع وفد من وزارة الخزانة، ويبدو أنه طلب منه التركيز على الملف السوري فقط، وترك ملف لبنان لمورغان”.
لكن أورتاغوس لن تكون وحدها المشرفة على هذا الملف، إذ ستكون لأميركيين آخرين حصة من معادلة النفوذ الأميركي في لبنان، ومن بينهم ميشال عيسى الذي سيكون المسؤول الفعلي عن تنفيذ السياسة الأميركية في لبنان وفق غدار، بينما تعمل أورتاغوس معه على الملفات المتعلقة بنزع سلاح “حزب الله” وآليات التنسيق مع إسرائيل.
وتسبب أسلوب المبعوثين الأميركيين باستياء في الداخل اللبناني، فبراك هوجم بعد وصفه أسلوب الصحافيين اللبنانيين بـ”الحيواني” وأورتاغوس لبست خاتم داود في لقاء مع الرئيس اللبناني مما أغضب بعضهم.
وعن تأثير هذه الأحداث في السياسة الأميركية في لبنان، تقول غدار “براك بلا شك أهان الصحافيين وكان ينبغي عليه الاعتذار، لكنه لم يفعل، أما لبس أورتاغوس للخاتم فيدخل في إطار حرية التعبير”. وأضافت أن هذه الأحداث “أثرت فقط في طريقة نظر الناس إلى المبعوثين الأميركيين، لكنها لم تؤثر في السياسة نفسها، فهي لن تتغير، بل على العكس، سينظر الناس إليها بجدية أكبر عندما يرون الأفعال على الأرض”.
وفيما يتصارع المتنافسون في واشنطن على مناصب الشرق الأوسط، لا يزال منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى خالياً، بعد سحب ترمب ترشيحه لجويل رايبورن المبعوث السابق إلى سوريا، والذي أشارت غدار إلى أنه قرار متعلق على الأرجح بمواقفه المتشددة تجاه سوريا ورئيسها الجديد أحمد الشرع. وعن الاسم المطروح، مورا نامدرا، المكلفة حالياً بالمنصب، قالت غدار إنها لم تُرشح بعد، ومن الواضح أنها تريد المنصب في ضوء التسريبات حول إمكان ترشيحها رسمياً من قبل ترمب، لافتة إلى صعوبة التأثير في السياسة عبر وزارة الخارجية، نظراً إلى أن البيت الأبيض هو مركز صناعة القرار في عالم ترمب.
ترى غدار أن “حزب الله” لن يسلم أسلحته طواعية، فهو قائم على أيديولوجيا تفضل الانتحار على تسليم السلاح، لكن المعضلة الحالية هي أن القيادات السياسية والعسكرية غير راغبة في مواجهة الحزب، وهي إن حدثت لن تكون صراعاً أهلياً كما يتصور، بل مواجهة بين جيش دولة وجماعة إرهابية.
وأوضحت أن “الحرب الأهلية تعني صراعاً بين المدنيين، لكن ما سيحدث هو أن الجيش سيواجه الإرهاب على الأرض، لقد شاهدنا هذا من قبل في أنواع أخرى من الحروب ضد الإرهاب، في نهر البارد وعرسال ضد تنظيمي ’داعش‘ و’القاعدة‘ وفي صيدا ضد الأسير. رأينا الجيش يحمل السلاح”، وقالت “لقد عشت الحرب الأهلية بكل تفاصيلها، وعواملها المسببة ليست حاضرة بالكامل في المشهد الحالي. لن يشارك المدنيون ولا القاعدة الشعبية لـ’حزب الله‘ في مواجهة ضد الجيش. الجيش لن ينقسم لأن أفراده الشيعة لن ينشقوا عنه لينضموا إلى ’حزب الله‘، ربما لن يشاركوا في القتال، لكنهم لن ينشقوا لأن الجيش يمنحهم امتيازات لا يستطيع الحزل تقديمها”.
وأقرت بأن “الخسائر من مواجهة الجيش لـ’حزب الله‘ لا مفر منها، لكن الجيش سيفوز وسيتمكن من إثبات مدى ضعف ’حزب الله‘ لأن الجيش سيحظى بدعم كامل من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وستكون خسائر المواجهة الداخلية أقل بكثير من الثمن الذي سندفعه في حال شنت إسرائيل حرباً شاملة على لبنان، لكن هذا السيناريو مستبعد حتى الآن في ظل تردد القيادات السياسية والعسكرية ورفضها الدخول في مواجهة عسكرية مع الحزب، مما يزيد احتمالات التدخل الإسرائيلي سواء عبر التصعيد أو حرب شاملة”.
انديبندت عربية
